قراءات في الأدب والعمارة والتراث في العدد الجديد من مجلة “الإيسيسكو”

شام تايمز-متابعة

كيف تستطيع الثقافة أن تحفظ الذاكرة من دون أن تحبسها في الماضي، وأن تجعل من التراث جسراً إلى الحاضر والمستقبل؟ ينطلق العدد الثامن من مجلة الإيسيسكو الثقافية الفصلية الشاملة من هذا السؤال، جامعاً بين الحوارات الفكرية والدراسات الأدبية وقراءات العمارة والمخطوطات وفنون الخط والغذاء، في محاولة لاستكشاف ما يربط هذه المجالات من أسئلة الهوية والمعرفة والجمال.

وتصدر المجلة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو، التي تتخذ من الرباط مقراً لها، ويأتي عددها الصادر في تشرين الأول 2026 في 104 صفحات، تتوزع فيها الموضوعات بين استعادة الموروث الثقافي وحضوره في الحياة المعاصرة.

يفتتح العدد بحوار مع الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الدكتور “محمد بن عبد الكريم العيسى”، يتناول فيه الحوار بوصفه ضرورة إنسانية وأخلاقية، لا مجرد وسيلة لتبادل الآراء، ثم يمتد النقاش إلى إمكانية الحفاظ على الهوية من دون الانغلاق، وبناء جسور التواصل بين الحضارات، ودور التعليم والإعلام في ترسيخ الاعتدال مواجهة خطاب الكراهية.

ويتطرق “العيسى” إلى مسؤولية المؤسسات الدينية والثقافية في صناعة الوعي، والحاجة إلى تطوير أدوات الخطاب والاستفادة من الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي واللغات العالمية للوصول إلى الأجيال الجديدة، كما يعرض العمل الإنساني باعتباره مجالاً لتعزيز الثقة بين الشعوب، وليس مقتصراً على تقديم المساعدات.

يخصص العدد ملفه الرئيس ل”شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة”، متناولاً جماليات السرد العربي والعلاقة بين الحكاية وطريقة تقديمها عبر اللغة والخطاب، حيث يدعو الناقد المغربي سعيد يقطين في دراسته إلى تجاوز الاكتفاء بتحليل التقنيات الروائية أو الانشغال بالقضايا التي تطرحها الرواية، والنظر في العناصر التي تمنح العمل خصوصيته الفنية.

وتتوزع مواد الملف بين مقاربات نقدية تبحث في تداخل الأجناس الأدبية، وتحولات الكتابة الروائية، وعلاقة اللغة بالخيال والواقع، وشارك في هذه المساحة “حاتم الفطناسي وزهور كرام ومحمد محمود أبو علي والمفكر السعودي عبد الله الغذامي”، حيث التقت مداخلاتهم عند سؤال كيفية تجديد قراءة الرواية، وفهم جمالياتها بعيداً عن التصنيفات الجامدة.

في مادة “سيدي بوسعيد في قائمة الإيسيسكو للتراث في العالم الإسلامي”، يقرأ الباحث “بلال الشابي” القرية التونسية الواقعة على ربوة تطل على خليج تونس، متوقفاً عند العلاقة بين تاريخها الروحي ونسيجها العمراني وذاكرتها الاجتماعية، ويوضح أن إدراجها في قائمة الإيسيسكو للتراث في العالم الإسلامي يعود إلى عام 2022، فيما أُدرجت في قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو خلال تموز الماضي.

ومن تونس ينتقل العدد إلى العمارة المغربية في دراسة “تشكيل المعنى عبر العمارة التراثية المغربية” للدكتور “إبراهيم البوعبدلاوي”، التي تتناول لوحات فنانين أوروبيين عن أبواب مدينة مكناس وأسوارها وبيوتها، وتبحث الدراسة فيما تكشفه هذه الصور من دلالات تاريخية ومعمارية، وكيف تتغير قراءتها تبعاً لمعرفة المتلقي بتاريخ المكان ووظائف عناصره.

يفرد العدد مادة لقصر الحمراء في غرناطة، كما وثقه المهندس الروسي “بافيل نوتبيك”، الذي وصل إلى المدينة عام 1852 وكرّس سنوات لدراسة تفاصيل القصر وإعداد الرسوم والمجسمات المعمارية، وتوضح المادة أن أعماله استقرت منذ عام 1863 في متحف تابع لأكاديمية الفنون الروسية في سانت بطرسبرغ، لتغدو مرجعاً للباحثين في العمارة الإسلامية الأندلسية.

وتبرز أهمية تجربته في نقل تفاصيل الزخارف والجدران والقباب من موقعها الأصلي إلى فضاء آخر، بما يتيح دراستها والتعريف بها خارج حدودها الجغرافية، ويكشف أثر العمارة الأندلسية في اهتمام الفنانين والباحثين الأوروبيين.

في ملف “الخط العربي بأنامل نسائية”، يستعيد العدد مساهمات المرأة في نسخ المصاحف وكتابة الرسائل والمعاهدات، متتبعاً حضورها في الحياة العلمية والثقافية عبر عصور مختلفة، وصولاً إلى الخطاطات المعاصرات، حيث تكشف الأمثلة التي تعرضها المادة أن المرأة شاركت في صون النصوص وتطوير فنونها.

ويتصل هذا المحور بمادة “صفة الكتاب النادر” للباحث فهد علي المعمري، التي تميز بين الكتاب القديم والكتاب النادر، موضحةً أن الندرة قد ترتبط بقلة نسخه المتداولة أو خصوصية طبعته أو ما يحمله من توقيعات وإهداءات وآثار تاريخية.

يخصص الباحث “خالد عزب” مادة بعنوان “الغذاء في التراث الإسلامي”، يقرأ فيها كتب الطبخ القديمة باعتبارها مصادر لفهم العادات الاجتماعية والثقافية والصحية، فيتوقف عند مؤلفات منها الطبيخ لابن سيار الوراق، والطبيخ للبغدادي، وفضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان لابن رزين التجيبي.

وتوضح هذه المقاربة ما تكشفه كتب الطعام عن مكونات المائدة وطرائق إعدادها وأدوات الطهي، وصلتها بالمعرفة الطبية والموروث الشفهي والبيئة التي أنتجتها، ما يشكل مدخلاً لفهم جوانب من الحياة اليومية وتاريخ المجتمعات الإسلامية.

في حقل الفكر الجمالي، يتناول العدد مشروع الدكتور إدهام محمد حنش في مادة “فقه الحسن وإعادة بناء السؤال الجمالي في الفكر الإسلامي”، التي تناقش العلاقة بين الجمال والقيمة والأخلاق، وتبحث في إمكانية بناء فهم للفن من داخل المرجعية المعرفية الإسلامية، بدلاً من الاكتفاء باستيراد المفاهيم الجمالية من سياقاتها الغربية.

كما يحاور الدكتور “عبد الرحمن غانمي” الشاعر المغربي “محمد بنيس”، في حديث يتناول الكتابة الإبداعية وعلاقة الشاعر بالنص والتأويل، ويبرز موقفه من استقلالية الكتابة في العبارة التي يتصدر بها الحوار: “لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه”.

وفي مادة “وثيقة المدينة وأفق التعايش الحضاري”، تقدم الدكتورة بسمة جستنية قراءة للوثيقة من منظور الحقوق والواجبات والمواطنة والحرية، وتبحث في المبادئ التي نظمت العلاقة بين مكونات المجتمع، وفي إمكان استلهامها في النقاشات المعاصرة حول التعددية والحوار.

وتتجاور هذه الموضوعات مع مواد أخرى، منها “هجرة رسائل الشعراء إلى الإنسانية” التي تستعيد كتابات المفكر التونسي “فتحي المسكيني”، ودراسة عن آليات تفعيل الإمكانات الإبداعية لعمال المعرفة في إفريقيا، إلى جانب صفحات مصورة لمعالم تراثية، منها جامع كونغ الكبير في كوت ديفوار، ومئذنة سامراء الحلزونية في العراق، وبرج العذراء في باكو.

في كلمة العدد، يستعرض المدير العام للإيسيسكو الدكتور “سالم بن محمد المالك” مسيرة المنظمة خلال عام 2026، وما شهدته من تحديات ومبادرات في مجالات التربية والعلوم والثقافة والشباب والابتكار.

ويتوقف عند ملتقى شباب المعرفة الثاني، وبرنامج تدريب عشرة آلاف قائد على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وإعلان بيان الدبلوماسية العلمية في نيويورك، إلى جانب التعاون مع متحف الإرميتاج الروسي في مجال حماية التراث، كما يشير إلى الجوائز التي نالتها المنظمة، معتبراً هذه التقديرات اعترافاً بجهد العاملين في المنظمة وشركائها.

وبتنوع موضوعاته، يقدم العدد الثامن من مجلة الإيسيسكو الثقافة باعتبارها مجالاً تتقاطع فيه الذاكرة مع المعرفة، والجمال مع القيم، والتراث مع أسئلة الحاضر، ومن الرواية إلى العمارة، ومن المخطوط إلى المائدة، تتعدد المداخل، فيما يجمعها اهتمام بإعادة قراءة الموروث وفهم دلالاته، وإبقاء ما يحمله من خبرات ومعارف حاضراً في الحوار الثقافي المعاصر.

شاهد أيضاً

بطولة الجمهورية للجودو تنطلق غداً في دمشق ‏

شام تايمز – متابعة تنطلق، غداً الجمعة، منافسات بطولة الجمهورية للجودو في مدينة الفيحاء الرياضية …