سحر البيان البدوي من الجذور التراثية إلى الحضور الإعلامي المعاصر

شام تايمز- متابعة

يُعد الشعر النبطي أحد أبرز الفنون الأدبية والتراثية في الوطن العربي وخصوصاً منطقة الخليج العربي والجزيرة السورية، حيث يمثل مرآةً صادقةً لحياة المجتمع العربي وقيمه البدوية وعاداته عبر مختلف الحقب الزمنية.

وارتبط هذا اللون الشعري بالبيئة العربية الأصيلة، فعبّر عن مشاعر الإنسان وتجاربه اليومية بلغةٍ قريبة من عامة الناس، مع محافظته على جماليات الشعر العربي من حيث الوزن والإيقاع والصور الفنية.

يعرف الشعر النبطي بأنه شعر العامة من العرب، إذ كان سبيل تعبيرهم عن أشجانهم بصورة مؤثرة بخلاف التعبير المباشر بالقول، ويعود أصل الشعر النبطي “نسبة إلى أنباط السواد شمال البلدان العربية”، ويرجع إلى الشعر العربي بصفته لهجة جديدة، استحدثها بنو هلال وتناقلتها قبائل البادية حسب ترحالها وتوارثته تلك القبائل حتى الآن.

ويحظى الشعر النبطي بمكانة رفيعة في الثقافة الخليجية إذ أسهم في توثيق الأحداث التاريخية، ونقل الموروث الشعبي، وتعزيز الهوية الوطنية، كما أسهم بإبراز العديد من الشعراء الذين آثروا هذا الفن بإبداعاتهم، وجعلوه جزءاً مهماً من المشهد الثقافي والأدبي في منطقة الخليج.

ولا يزال الشعر النبطي يحافظ على حضوره القوي من خلال الأمسيات الشعرية والفعاليات الثقافية ووسائل الإعلام المختلفة، ما يؤكد دوره المستمر في حفظ التراث وتعزيز التواصل بين الأجيال.

الشاعر النبطي “راكان المرشد الفدعاني” من شعراء المملكة العربية السعودية والخليج استعرض بعض التفاصيل عن الشعر النبطي وكيفية تداوله في شتى المناسبات ومختلف نواحي الحياة، مبيناً أنه يستخدم في المدح والذم والانتقاد وطلب الحوائج، ويعبر عن الشجاعة والتحدي والكرم، ويعتبر وسيلة تخاطب مهمة وضرورية في المجتمع الخليجي والعربي.

وأضاف “الفدعاني” : إن الشعر النبطي أو الشعبي كما يسمى في الخليج، يعد من أهم روافد الثقافة العربية، حيث حافظ على حضوره عبر قرون طويلة بفضل ارتباطه بحياة الناس اليومية وهويتهم الثقافية.

من أهم العوامل التي أسهمت في انتشار الشعر النبطي أو الشعبي على مستوى دول الخليج خصوصاً والوطن العربي عموماً، هي وسائل الإعلام المرئية والرقمية والمسموعة والمقروءة، حيث أشار الفدعاني إلى أن المسابقات الشعرية التي أقامتها معظم الدول الخليجية وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة والسعودية تعد من أبرز عوامل الانتشار والاهتمام بهذا النوع من الشعر ومثال على ذلك مسابقة شاعر المليون التي انطلقت في إمارة أبو ظبي عام 2006، وجائزة الملك عبد العزيز للأدب الشعبي التي تعنى بدعم الدراسات والإبداع في الأدب الشعبي السعودي، ومهرجان الجنادرية الذي كان لسنوات طويلة منصة مهمة للأمسيات الشعرية الشعبية في السعودية، وسوق عكاظ الذي أسهم في إعادة إحياء المنافسات الشعرية وتقديم الشعراء للجمهور والتعريف بهم.

أوضح “الفدعاني” أن الشعر النبطي يقوم بدور رئيس في حل النزاعات بين الأفراد بفضل طبيعته الشعبية وسهولة فهمه، إضافة إلى كونه يشكل تعبيراً عميقاً عما يجول في خواطر ووجدان المتنازعين، حيث يخاطب كل طرف من أطراف النزاع خصمه بأبيات شعرية كافية لإيصال المغزى والمطلوب في الحل، كما أنه يحرك مشاعر النخوة لدى المتلقي فمن الممكن أن يستمع صاحب الحق لقصيدة من بيتين تجعله يتنازل عن حقه كرماً وتقديراً.

هذه الميزات جعلت من الشعر النبطي وسيلة قوية للتواصل ونشر الحكمة، إضافة إلى ذلك فهو يؤدي أدواراً عدة، إذ يسهم في تسجيل التاريخ ونقل الثقافة للأجيال القادمة ويستخدم باعتباره وسيلة لتعليم القيم الأخلاقية والاجتماعية وتعبيراً صادقاً عن المشاعر الإنسانية سواء في الحب أو الفراق، كما أنه يعزز الهوية الثقافية ويسهم في الحفاظ على اللغة والعادات والتقاليد، ووسيلة ترفيه في المناسبات أيضاً التي يتم تناقل الأخبار فيها لعدم وجود وسائل لنقلها وتوثيقها في تلك اللحظات.

كان للمنافسات دورٌ بارزٌ في دفع الشعراء إلى تطوير أدواتهم اللغوية والفنية والاهتمام بجودة النص والإلقاء، وحفظ الكثير من القصائد والنصوص التي كانت حاضرة في أغنيات أشهر فناني الوطن العربي كأصالة نصري وكاظم الساهر ومحمد عبده وغيرهم من الفنانين، الذين وصلت كلمات أغانيهم لقلوب الملايين، وهذا أدى إلى توسيع دائرة التنافس التجاري والإعلامي وأسهم بشكل كبير في الحفاظ على شكل مهم من أشكال التراث الشعبي والبدوي.

وقال الشاعر الفراتي “محمد إسماعيل العمر” من مدينة الرقة: “إن شعر العتابا والسويحلي والنايل في الفرات السوري، يلتقي بشكل وثيق مع ألوان شعرية خليجية في مستويات بناء القصيدة، والصور الفنية، والاعتماد على الجناس على الرغم من وجود تمايز بسيط في نطق بعض الحروف، إلا أن المفردات البدوية الأصيلة واحدة، إذ تزخر القصيدة الفراتية والخليجية بأسماء الإبل، وأدوات القهوة العربية، ومصطلحات الطقس، والترحال، والبيوت، ما يسهل على الفرد الخليجي فهم الشعر الفراتي والعكس صحيح”.

يرجع هذا التقارب الشديد إلى الهجرات القبلية المتلاحقة من شبه الجزيرة العربية باتجاه حوض الفرات وبادية الشام، ما أسهم بنقل العادات والتقاليد واللهجات، إذ تعيش المجموعات البدوية والريفية في كلا المنطقتين ظروفاً بيئية متقاربة تعتمد على الصحراء والترحال والقيم العربية الأصيلة مثل الكرم، والنخوة، والفروسية، وهو ما صبغ النتاج الشعري في كلا الإقليمين بصبغة واحدة.

وبين “العمر” أن الشاعر الفراتي يتطابق مع شقيقه الخليجي في محاور ذات مضامين متعددة ومنها: الفخر والمديح، كالاعتزاز بالنسب والشهامة، والغزل العفيف، ومثال على ذلك تصوير لوعة الفراق وذكر الأظعان (الرحيل) والديار المهجورة الموحشة، وشعر الحكمة الذي يوثق تجارب الحياة عبر الأجداد والصبر على نوائب الدهر.

ويبقى الشعر النبطي الوجه الذي يعكس التقارب العربي وقوة الفهم لدى العرب لما له من خصائص فريدة وقوة في المصطلحات.

شاهد أيضاً

باحثون يطورون أداة جينية جديدة لتحسين تشخيص الأمراض النادرة

شام تايمز- متابعة ابتكر باحثون من أستراليا والولايات المتحدة أداة جينية جديدة تحمل اسم ‌‏”تالوس” …