شام تايمز – متابعة
حين يتحول الأدب إلى مساحة لمساءلة الخراب الإنساني، تصبح الرواية أكثر من حكاية، وتغدو محاولة لفهم العنف الذي تصنعه سلطة الاستبداد حين تنفصل عن الأخلاق والذاكرة والإنسان.
وفي روايتها “كاليجولا في دمشق” تذهب الروائية السورية ابتسام تريسي إلى تفكيك بنية الاستبداد السوري زمن النظام البائد، عبر نص سردي يمزج بين التاريخ والسياسة والتحليل النفسي، ويعيد قراءة جرائم ذلك النظام بوصفها نتيجة منظومة طويلة من الخوف والقمع والمرض الأخلاقي.
الرواية التي صدرت عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر سنة 2022، جاءت في 306 صفحات، وشكّلت تحولاً لافتاً في تجربة تريسي، من خلال اعتماد تقنية سردية تستحضر شخصيات تاريخية وأدبية عالمية، وتسقطها على شخصيات تنتمي إلى بنية السلطة، في محاولة للكشف عن التكوين النفسي والسياسي للطغيان، لا بوصفه سلوكاً فردياً فقط، بل باعتباره منظومة حكم كاملة تترك آثارها في الضحايا والمجتمع كله.
تتمحور الرواية حول شخصية “كاليجولا الهجين”، المستلهمة من الإمبراطور الروماني الشهير كاليجولا، الذي ارتبط اسمه تاريخياً بصورة الحاكم المهووس بالقوة والبطش.
ولكن تريسي تعيد صياغة هذه القصة في سياق سوري معاصر، حيث يتحول الحاكم إلى شخصية مهووسة بالعنف والتدمير، ترى البشر مجرد أدوات داخل لعبة دموية.
ومن خلال هذه الشخصية، تفتح الرواية سؤالاً قاسياً: كيف يتحول الإنسان إلى طاغية؟ وكيف يصبح القتل وسيلة لإثبات الذات والسيطرة؟ ولا تكتفي تريسي بوصف الاستبداد من الخارج، بل تحاول الدخول إلى أعماقه، فتنبش في الجذور النفسية للعائلة الحاكمة، بدءاً من الجدّ والأب، وصولاً إلى الابن الذي يتفوّق على الجميع في القسوة، لتقدّم صورة عن تراكم العنف داخل سلطة النظام البائد وتحوله إلى إرث سياسي ونفسي.
وتحضر في الرواية شخصيات رمزية أخرى، مثل “الملكة الحمراء”، و”إيما بوفاري”، في تداخل بين التاريخ والمتخيّل والسرد النفسي، بما يمنح النص أبعاداً متعددة من القراءة، من دون أن يبتعد عن الواقع السوري وذاكرته الجريحة.
اعتمدت تريسي بنية تقوم على المقاطع القصيرة المتشابكة، متنقلة بين دمشق وأوروبا، وبين الماضي والحاضر، بحيث تتكامل اللوحة السردية تدريجياً أمام القارئ، وتقوم الرواية على لعبة الإحالات الرمزية، إذ تحمل الشخصيات أسماء ذات دلالات تاريخية وأدبية، ما يدفع القارئ إلى البحث في خلفياتها لفهم أبعادها النفسية والفكرية.
كما تطرح الرواية سؤال الحقيقة والسلطة، فكل شخصية تمتلك روايتها الخاصة للأحداث، بما في ذلك الطغاة أنفسهم الذين يحاولون إعادة كتابة ذاكرتهم وتبرير جرائمهم، هنا يصبح السرد مواجهة مع التزوير، ومحاولة لاستعادة المعنى من بين ركام الدعاية والخوف.
من أكثر المقاطع قسوة في الرواية مشهد قتل الطاغية لفرس بيضاء داخل الإسطبل لمجرد التسلية، في صورة تختزل العبث الدموي الذي يحكم الشخصية، وتكشف علاقته بالعالم بوصفه مساحة لإنتاج الرعب، حيث تكمن أهمية هذا المشهد أنه لا يقدّم العنف كقرار سياسي فحسب، بل كمتعة مرضية، وكجزء من تكوين داخلي يرى في الكائنات الحية موضوعاً للسيطرة والإبادة.
وتنتقل الرواية إلى عالم الخادمات والعاملين داخل القصر، لتكشف طبقات أخرى من الخوف والقهر داخل منظومة السلطة، حيث لا مكان للأمان حتى في التفاصيل اليومية الصغيرة، فالعنف لا يبقى محصوراً في السجون والقرارات الكبرى، بل يتسرب إلى البيوت والغرف والعلاقات الإنسانية، ويحوّل الحياة كلها إلى مساحة مراقبة وقلق.
في تصريح لـ”سانا” حول الرواية، قالت الكاتبة ابتسام تريسي: “كان لديّ إحساس، رغم ضبابية المشهد السوري وقتامته، بأن النظام البائد سيسقط في هذا التوقيت، وربما لم أستطع رسم السيناريو الواقعي الكامل لنهايته، لكنني شعرت بأن زمنه يقترب”.
وأضافت: “أردت من خلال الرواية التأكيد على أن الطغاة مهما عاثوا فساداً وقتلاً وتجبروا، فإنهم إلى زوال، بينما تبقى إرادة الشعوب أقوى من الاستبداد”.
وأشارت تريسي إلى أن كتابة الرواية لم تكن سهلة، لأنها مزجت بين الواقع المرضي والمتخيّل الروائي، محاولة تقديم تحليل نفسي لشخصيات تعيش داخل منظومة عنف معقدة.
يمكن النظر إلى “كاليجولا في دمشق” بوصفها واحدة من الروايات السورية التي قاربت الاستبداد من زاوية نفسية ورمزية، لا من زاوية التوثيق المباشر وحده، فهي لا تكتفي بإدانة السلطة، بل تحاول فهم كيفية تشكّل شخصية الطاغية، وتأثير السلطة العنيفة في المجتمع والأفراد المحيطين بها.
وتبرز قوة الرواية في قدرتها على الجمع بين الرواية السياسية والرواية النفسية، وبين الذاكرة والرمز، وبين الحكاية الفردية والسياق العام، ومع أن هذا الغنى الرمزي قد يجعل العمل أكثر تطلباً بالنسبة إلى القارئ العام، فإنه لا يحجب جوهر الرواية: نص عن الطغيان، والخوف، والذاكرة، وعن الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة سلطة تسعى إلى سحقه مادياً ومعنوياً.
تُعد ابتسام تريسي من أبرز الأصوات الروائية السورية المعاصرة، وهي من مواليد مدينة أريحا في إدلب عام 1959، وخريجة كلية الآداب – قسم اللغة العربية في جامعة حلب، انشغلت في معظم أعمالها بالبيئة الاجتماعية السورية، وقضايا المرأة، والتحولات السياسية والاجتماعية، عبر لغة سردية تجمع بين الواقعية والتحليل النفسي.
ومن أبرز أعمالها: “جبل السماق”، و”ذاكرة الرماد”، و”عين الشمس”، و”غواية الماء”، و”لعنة الكادميوم”، و”الشارع 24 شمالاً”، و”كتاب الظل”، و”بنات لحلوحة”، إضافة إلى “ليلاف: الثلج الجاف”.
ووصلت روايتها “عين الشمس” إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” عام 2010، كما حازت عدداً من الجوائز الأدبية العربية، وكانت من أوائل الكتّاب السوريين الذين انسحبوا من اتحاد الكتاب العرب احتجاجاً على موقفه من الثورة السورية.
شام تايمز الإخباري رؤية لسورية أجمل