شام تايمز- متابعة
قبل قرابة سبعة قرون، أوقف فقيه “غرناطة أبو إسحاق الشاطبي” كتابة نصوصه التقليدية، لينصرف نحو تأليف منجز تشريعي فريد انطلق فيه من قناعة بأن القوانين والأحكام لم تُوضع لتقييد الجسد، وإنما خُلقت لخدمة مصالح الإنسان وضمان استقراره، وفقاً لوكالة “سانا”.
وفي زاوية أمهات الكتب الأسبوعية، نتوقف اليوم عند كتاب “الموافقات” الذي قدم دليلاً استقرائياً يوازن بمرونة بين ثوابت النص الديني ومتغيرات الواقع المعاصر، لحماية جوهر التشريع من عتبات الجمود الحرفي والتأويل غير المنضبط، في مقاربة تطبيقية تعيد توجيه البحث الفقهي نحو رعاية مصالح البشر.
أوضح الدكتور “محمد زكريا الحمد” المتخصص في العلوم الإسلامية أن “الموافقات” يمثل مرحلة نضج تاريخي في مسار الفكر التشريعي، إذ انتقل بالنظرية المقاصدية إلى بناء أكثر تكاملاً، مستفيداً من جهود العلماء السابقين كالعز بن عبد السلام، مشيراً إلى أن أهمية المنجز تكمن في منهجه القائم على الاستقراء والنظر في كليات الشريعة، وتجاوز الاقتصار على الجدل النظري.
ولفت “الحمد” إلى أن العمل يربط الجزئيات بالكليات والفروع بأصولها، بما يساعد دارس الفقه على فهم النصوص ومراعاة مآلات الأحكام عند التعامل مع النوازل المعاصرة وحماية تاريخ المعرفة الشعبية.
يقوم بناء الكتاب على ترتيب علمي يتدرج من المقدمات المعرفية إلى الأحكام، ثم مقاصد الشريعة والأدلة والاجتهاد، في سياق يوضح تكامل المباحث الفقهية وتداخلها، ويضم المصنف خمسة أقسام رئيسية هي: المقدمات العلمية، والأحكام، ومقاصد الشريعة، والأدلة الشرعية، والاجتهاد.
ويتيح هذا الترتيب الهندسي الدقيق للقارئ تتبع كيفية بناء النظر الأصولي المعاصر، بدءاً من الضوابط التي تحكم الاستدلال والقياس المنطقي، وصولاً إلى فهم المقاصد العليا وتطبيق الأدلة وممارسة الاجتهاد الميداني بعيداً عن الطمس أو التغييب المعرفي.
من جانبه، صرح رئيس قسم القانون والأحوال الشخصية بكلية الشريعة في جامعة دمشق، الدكتور “عبد الرحمن محمود السعدي”، أن الكتاب أسهم في نقل البحث الأصولي من التركيز على الأبعاد الدلالية إلى دراسة الغايات والمصالح الكلية.
وأضاف “السعدي” :”إن الشاطبي ربط بين الكليات والفروع، مبرزاً دور الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، وبيّن أنه تناول مراتب المقاصد الثلاث، الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وصلتها بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ما يمنح الكتاب أهمية في فهم العلل والتعامل مع المستجدات بمرونة”.
توفي الفقيه والأصولي الأندلسي “أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي” سنة 790 هجرية 1388 ميلادية، تاركاً اسماً ارتبط بتطوير البحث في مقاصد الشريعة وإرساء معالجتها المنهجية ضمن البناء الفقهي بالمنطقة.
وتوالت طبعات وشروح هذا المجلد الضخم عبر العصور، وتبرز من بينها الطبعة الصادرة عن دار ابن عفان عام 1997 بتحقيق أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان.
وتظل دراسة الشاطبي سفيراً ينقل أصالة الفكر التشريعي ويحميه من التغريب، معززةً التوازن بين النص والمصلحة للأجيال القادمة.
شام تايمز الإخباري رؤية لسورية أجمل