الجمعية الجغرافية السورية.. من ذاكرة الخرائط إلى آفاق الرقمنة

شام تايمز- متابعة

حافظت الجمعية الجغرافية السورية، منذ تأسيسها عام 1956، على ‏حضورها العلمي والمعرفي في خدمة الجغرافيا والباحثين والمهتمين بها، ‏مستندة إلى إرث الجغرافيين العرب والمسلمين، ومتفاعلة مع تطورات العلوم ‏الجغرافية الحديثة.‏

وتقف الجمعية اليوم من مقرها في مبنى المدرسة الحافظية الأثري، العائد إلى ‏العصر الأيوبي، أمام مرحلة جديدة تتطلع خلالها إلى تحديث أدوات عملها ‏وتطوير أساليبها والانفتاح على المؤسسات العلمية العربية والدولية، بما ‏ينسجم مع التحولات المتسارعة في العلوم والتقنيات الحديثة.‏

وأوضح رئيس مجلس إدارة الجمعية ورئيس قسم الجغرافيا سابقاً في جامعة ‏دمشق الدكتور “أسامة قدور”، أن الجمعية تأسست قبل سبعة عقود متأثرة ‏بتجارب الجمعيات الجغرافية المتخصصة في أوروبا، وبالجمعية الجغرافية ‏المصرية التي كانت أول جمعية جغرافية عربية، لتكون الجمعية الجغرافية ‏السورية أول جمعية علمية في سورية، وهي عضو في اتحاد الجمعيات ‏الجغرافية العربية ومقره بغداد.‏

وأشار “قدور” إلى أن الجمعية أنشأت فروعاً لها في مختلف المحافظات، ‏واحتضنت على مدى عقود نشاطات علمية وثقافية، وأقامت علاقات وتبادلاً ‏مع جمعيات ومؤسسات عربية ودولية، قبل أن تتراجع أنشطتها ومواردها ‏خلال السنوات الأخيرة، ما انعكس على مختلف جوانب عملها وعلى ‏علاقاتها الخارجية، باستثناء بعض أوجه التعاون مع الجمعية الجغرافية ‏الإماراتية منذ عام 2023.‏

بدوره، استعرض نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية “غسان كركوتلي” مراحل ‏تطورها، موضحاً أنها بدأت بطابع تدريسي، قبل أن تتوسع أنشطتها بعد تسلم ‏مبناها عام 1982 لتشمل فعاليات ثقافية وعلمية، بينها ندوة الخميس التي لا ‏تزال مستمرة، إضافة إلى تنظيم المعارض والرحلات الثقافية إلى عواصم ‏عربية وعالمية والمشاركة في الفعاليات التي تجمع الجمعيات الجغرافية ‏العربية.‏

ولفت “كركوتلي” إلى أن الجمعية تحولت مع مرور الوقت إلى وجهة لطلاب ‏الجغرافيا وطلبة الدراسات العليا من مختلف المحافظات، ووفرت لهم مساحة ‏للبحث والاطلاع والتواصل العلمي.‏

وبيّن “كركوتلي” أن مجلس إدارة الجمعية يتكون حالياً من 11 عضواً، بينهم ‏ثلاثة أساتذة في قسم الجغرافيا بجامعة دمشق، إلى جانب جغرافيين ‏ومدرسين، إضافة إلى رئيس المجلس.‏

وأشار “كركوتلي” إلى أن من أبرز إصدارات الجمعية المجلة الجغرافية التي تصدر ‏دورياً كل شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر، فضلاً عن المعجم الجغرافي ‏لسورية، الذي جاء ثمرة جهد مدرسي الجغرافيا في مختلف أنحاء البلاد ‏واستمر العمل عليه خمس سنوات.‏

وأوضح “قدور” أن الجمعية، بوصفها واحدة من الجمعيات التابعة لوزارة ‏الشؤون الاجتماعية والعمل، توقّف الدعم الحكومي المحدود لها في بداية ‏تسعينيات القرن الماضي، فيما استمر لاحقاً دعم بسيط من المحافظة وقسم ‏الجغرافيا في جامعة دمشق لفترة من الزمن، قبل أن تواصل الجمعية نشاطها ‏بجهود ذاتية وبتمويل من أعضائها.‏

وتحتفظ مكتبة الجمعية، التي تشكل جزءاً من ذاكرتها العلمية، بمجموعات ‏واسعة من الكتب والمراجع والخرائط والأطالس والمعاجم والدوريات في ‏مجالات الجغرافيا والتاريخ والأدب والعلوم، إلى جانب مؤلفات أعدها ‏أعضاء الجمعية ومواد حصلت عليها من خلال تبرعات المهتمين بالجغرافيا ‏ومحبي الجمعية.‏

وأوضحت أمينة المكتبة ومديرة مقر الجمعية منذ عام 2006 “هبة البرادعي” ‏أن المكتبة تضم كذلك مراجع جغرافية باللغتين الإنكليزية والفرنسية، نتيجة ‏التواصل سابقاً مع المجلات الجغرافية الأمريكية والفرنسية، إضافة إلى ‏الحوليات الأثرية والدراسات التاريخية السورية المطبوعة منذ عام 1951، ‏والمراجع الزراعية والجغرافية والمجموعات الإحصائية الزراعية ودراسات ‏المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة “أكساد”.‏

وأشارت “البرادعي” إلى أن المجلات العربية المتخصصة كانت تصل إلى ‏الجمعية بصورة دورية، قبل أن تتراجع حركة التبادل والتواصل العلمي، ‏نتيجة المقاطعة الدولية للنظام البائد، لافتة إلى أن الجمعية كانت تستقبل أيضاً ‏الرحلات المدرسية وتعرّف الطلاب بالجغرافيا ومصادرها.‏

وبيّن “قدور” أن الجمعية تواجه حالياً تحديات اقتصادية ولوجستية، يأتي في ‏مقدمتها ضعف التمويل، الأمر الذي ينعكس على قدرتها على تأمين ‏التجهيزات التقنية وخدمات الكهرباء والإنترنت، إلى جانب ارتفاع تكاليف ‏الطباعة والنشر.‏

وبيّن “قدور” أن من أبرز التحديات أيضاً تحديث المكتبة والأرشيف، واستعادة ‏التواصل العلمي وتبادل الإصدارات مع المؤسسات والجمعيات الجغرافية ‏العربية والدولية.‏

ورغم هذه التحديات، تتركز أنشطة الجمعية الحالية في المحاضرات ‏واللقاءات العلمية الدورية، فيما تستعد للمشاركة في لقاء يضم نحو 22 جمعية ‏جغرافية عربية في الأردن خلال تشرين الثاني المقبل، وتسعى إلى تعزيز ‏تعاونها مع قسم الجغرافيا في جامعة دمشق.‏

وأكد “قدور” أن الجمعية تتطلع إلى بناء نموذج أكثر حداثة في العمل ‏الجغرافي، يقوم على رقمنة محتواها وإطلاق منصات إلكترونية تفاعلية، ‏وتوظيف نظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي، وتنظيم ورشات ‏تدريبية للطلاب، وتوسيع شبكة علاقاتها مع الجامعات والمراكز البحثية ‏والجمعيات الجغرافية العربية والدولية.‏

وقال “قدور”: “إن الهدف هو الانتقال بالجمعية من كونها مساحة لحفظ المعرفة ‏الجغرافية إلى منصة لإنتاجها وتبادلها، بما يتيح لها استعادة دورها العلمي ‏وتوسيع حضورها على المستويين العربي والدولي”.‏

واختصر “قدور” جانباً من ذاكرة الجمعية بالقول: لو نطقت الخرائط السورية ‏في الجمعية لكتبت تاريخ سوريا بكل مراحله. وما تركته العصور الماضية ‏من آثار تختبئ أحياناً بين خطوط خرائط جغرافية قديمة.‏

ويذكر أن أول جمعية جغرافية في العالم تأسست في فرنسا عام 1821، فيما ‏تعد الجمعية الجغرافية المصرية أول جمعية جغرافية عربية، وقد تأسست ‏عام 1875.‏

شاهد أيضاً

نساء حرفيات يشاركن منتجاتهن في معرض “شيخة الكار” في دمشق

شام تايمز- متابعة شهد المركز الثقافي العربي في المزة ،أمس الثلاثاء، معرض “شيخة الكار”، ‏الذي …