شام تايمز_ حلب_ أنطوان بصمه جي
تتنقل أصابع حسناء حج محمد بثقة بين مفاتيح حاسوبها. لا تحتاج المرأة البالغة 33 عاماً النظر إلى الشاشة كي تعرف ما تكتب، فالبرامج الناطقة أصبحت جزءاً من يومها. حسناء كفيفة جزئياً، وتعمل في قسم الأشعة بمشفى حلب الجامعي، لكنها لم تتوقف عند وظيفتها. خلال عام من التدريب في مشروع “سوار النور”، تعلمت لغة برايل وصناعة القش والرسم النافر والطبخ، وبدأت تخطط لإطلاق مشروع من منزلها.
كان حلم حسناء في السابق أن تصبح معلمة في مدرسة قريبة من منزلها، لكن ظروف حياتها دفعتها إلى مسار مختلف. بعد وفاة والدها، أصبحت المعيلة الوحيدة لأسرتها المؤلفة من تسعة إخوة، أربعة شباب وخمس بنات.
تعرفت إلى مشروع “سوار النور” من خلال صديقاتها في مجموعات التواصل الاجتماعي. وخلال مشاركتها في النسخة الثانية من المشروع الذي أطلقته منظمة سوار، تعلمت لغة برايل خلال شهر، ثم تلقت تدريب الرسم النافر على الكرتون، واستخدام الحاسوب من خلال برامج ناطقة، وصناعة القش.
ولم تتوقف تدريباتها عند ذلك، إذ تعلمت أيضاً أساسيات الطهي واستخدام أدوات المطبخ، وهي مهارات تقول إنها تريد توظيفها إلى جانب ما تعلمته في تطوير مشروع مهني تنفذه وتروج له من المنزل. تقول حسناء: “حرمنا الله نعمة البصر، لكنه أعطانا البصيرة”. وتضيف رسالة توجهها إلى المكفوفين: “لا تيأسوا، تأقلموا مع وضعكم داخل المنزل وضمن المجتمع، نحن قادرون”.
في حي بستان القصر وداخل منزل مجاور لمنزل حسناء، تعيش رجاء العبسي، 49 عاماً، وهي كفيفة بشكل كامل وتعمل في ديوان المستشفى الجامعي. انضمت رجاء إلى مشروع “سوار النور”، وتعلمت لغة برايل خلال شهر، كما تدربت على صناعة القش عبر اللمس بدءاً من إعداد القش ونقعه بالماء، وصولاً إلى تنفيذ المنتجات وتجهيزها للعرض.
لكن الطهي كان المجال الذي وجدت نفسها فيه أكثر. تقول رجاء لـ “شام تايمز” إنها تتقن إعداد أطباق حلبية مثل البسبوسة والشيش برك والكبسة والسمبوسك، وإنها أصبحت قادرة على التعامل مع خطوات إعدادها بصورة أكثر استقلالاً.
تطمح رجاء إلى تدريب الأطفال المكفوفين على لغة برايل، وإلى افتتاح مشروع صغير في مجال الطهي. لكنها تواجه، مثل كثير من المكفوفين، صعوبات تتجاوز التدريب وتؤثرعلى قدرتها على التنقل، بينها ضعف الخدمات وكثرة الحفر وارتفاع تكاليف المعيشة. “كان المشروع فرصة لاكتساب مهارات جديدة” تقول رجاء.
أما الشاب، علي طبق، 26 عاماً، كفيف جزئياً، وسبق أن عمل على بسطة لبيع المستلزمات النسائية وفي محل للقطنيات. تلقى اتصالاً بقبوله في مشروع “سوار النور”، تلقى خلاله تدريباً على استخدام الحاسوب ولغة برايل وصناعة القش. وفي مرحلة لاحقة، انضم إلى الكورال الغنائي الذي تأسس ضمن المشروع، مستفيداً من موهبته في الغناء.
يعيش علي في حي صلاح الدين مع والده ووالدته وشقيقته، ويعمل حالياً على تطوير مهاراته في مهنة الدهان، بعد قبوله في برنامج “بناة حلب”، أحد مشاريع منظمة “سوار”. يقول إن العمل في الدهان يفرض عليه تحديات إضافية، خصوصاً عند التعامل مع التشققات الصغيرة واستخدام المعجونة وحف الجدران، لكنه يواصل التدريب بمساعدة والديه، ويختصر تجربته بالقول: “الإصرار يصنع المعجزات”.
وراء هذه القصص الفردية مشروع بدأ العمل على توسيع نطاقه في حلب بعد تجربة أولى في إدلب. تقول إيمان الشبلي، مديرة مكتب حلب لمنظمة “سوار”، إن النسخة الأولى من “سوار النور” نُفذت في إدلب عام 2023، واستهدفت نحو 60 كفيفة، وركزت على النساء، من خلال تدريبات شملت الدعم النفسي، وتعلم لغة برايل، والتعامل مع الزلازل، إضافة إلى تدريب مهني في صناعة القش.
وفي ختام النسخة الأولى، عُرضت المنتجات اليدوية التي صنعتها المشاركات خلال يوم مفتوح. وفي حلب، جمعت المنظمة أكثر من 400 اسم لأشخاص مكفوفين، وقد التزم 90 منهم بالتدريب على مدار عام كامل.
تخبرنا الشبلي أن الهدف لم يكن تقديم دورات تدريبية فقط، بل العمل على دمج المكفوفين في المجتمع، ومساعدتهم على اكتساب مهارات يمكن الاستفادة منها في الحياة والعمل. تقول: “طالما أنا موجودة في منظمات المجتمع المدني، سأظل هنا لأوصل صوتهم إلى العالم”.
تشير الشبلي إلى أن الخطط المقبلة تتضمن توسيع المشروع ليشمل عدداً أكبر من المكفوفين، وإضافة برامج أكثر تخصصاً، والعمل على ربط التدريب النظري بسوق العمل، إلى جانب تطوير الشراكات مع المؤسسات لتوفير فرص للتمكين الاقتصادي.
في مكتب منظمة “سوار” بحلب، تشرح المديرة التنفيذية نيسان بابللي لـ “شام تايمز” الأساس الذي تقوم عليه رؤية المنظمة في التعامل مع المكفوفين، فالمنظمة تؤمن أن “بناء سوريا الجديدة يحتاج إلى إنسان قادر، متعلم، ومؤهل للمشاركة في الحياة العامة”، مضيفة أن اهتمامها بالمكفوفين يأتي ضمن رؤية تنموية تقوم على “التمكين وبناء القدرات، وليس على الرعاية”.
وتوضح أن تجربة “سوار النور” تطورت بين نسختها الأولى في إدلب عام 2023 والنسخة الثانية في حلب. فإلى جانب برايل، توسعت التدريبات في حلب لتشمل مهارات الحاسوب، والرسم النافر، والدعم النفسي، والكورال الغنائي.
تقول بابللي إن المشروع أسفر أيضاً عن تأسيس فرقة كورال للمكفوفين والمكفوفات في حلب، بعد اكتشاف مواهب فنية خلال التدريبات.
أما اسم “سوار النور”، فتربطه بابللي بالمعرفة والفرصة والقدرة على رؤية المستقبل، وليس فقط بالبصر. وتقول إن الفكرة الأساسية هي ألا يتحول فقدان البصر إلى سبب لإبعاد الشخص عن التعليم والعمل والحياة العامة.
وتؤكد أن المنظمة لا تريد تقديم المكفوفين باعتبارهم فئة تحتاج إلى الشفقة، بل باعتبارهم جزءاً من المجتمع، لهم حقوق وقدرات وطموحات، ويحتاجون إلى فرص متكافئة للتعلم والعمل والمشاركة.
وتضيف أن الأشخاص ذوي الإعاقة “يجب ألا يكونوا على هامش عملية التنمية أو بناء الدولة، بل هم مواطنون فاعلون لهم حقوق وعليهم واجبات”.
وترى بابللي أن أثر التدريب لا يظهر دائماً في أرقام المستفيدين وحدها. فقد تبدأ النتيجة بمهارة جديدة، ثم تساعد هذه المهارة على استعادة الثقة بالنفس، قبل أن تتحول إلى قدرة على العمل أو فرصة اقتصادية أو إمكانية لمساعدة الآخرين.
وتلخص الفكرة بالقول إن التعامل مع الإنسان لا ينبغي أن ينطلق مما ينقصه، بل مما يستطيع القيام به إذا أتيحت له الفرصة. والهدف النهائي، بحسب تعبيرها، هو الوصول إلى اللحظة التي يستطيع فيها الشخص أن يقول: “أنا أستطيع، ولدي ما أقدمه”.
يقدم المدرب جلال مكاراتي، كفيف منذ الولادة، نموذجاً آخر على انتقال المهارة من كونها وسيلة للتعلم إلى مهنة. درس العلاج الفيزيائي في المعهد الصحي بحلب، وحصل على دبلوم في العلاج النفسي الحركي من الجامعة اليسوعية في لبنان. وكان يمتلك عيادة خاصة، لكن الحرب أدت إلى تدميرها وسرقة محتوياتها.
عاد جلال إلى صناعة القش، وهي مهنة تعلمها في المدرسة منذ الصغر. وبعد ذلك طور مهاراته من خلال دورات عبر الإنترنت مع مدربة سورية مقيمة في تركيا، وتعلم صناعة الريتان الصناعي المستخدم في الديكورات الخارجية.
أسس لاحقاً شركة “أرابيسك”، التي يقول إنها تعمل منذ سبع سنوات. يشارك جلال خبرته مع المكفوفين المشاركين في المشروع، مستفيداً من تجربته في العمل اليدوي. يقول جلال إن فريقه كان حريصاً على جودة المنتجات، “حتى لا يُقال إن المكفوفين يخطئون بسبب فقدان البصر”.
ويضيف أن المكفوفين يعتمدون على اللمس بدرجة كبيرة في هذا النوع من العمل، وأن التدريب والممارسة يمكن أن يساعدا على إتقان المهارات المطلوبة.
في تدريبات الطهي، عملت المدربة نور مكاراتي، التي تعمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة منذ عام 2010، على تعليم المشاركات إعداد الأطباق والمعجنات والحلويات باستخدام وسائل تتناسب مع احتياجاتهن.
تقول نور إن المشاركات يتعلمن التعامل مع الحرارة والكميات والأدوات من خلال اللمس والاعتماد على وسائل قياس بديلة، مع التركيز على إجراءات السلامة أثناء استخدام الأدوات الحادة. خلال تسعة أيام، قُسمت المشاركات إلى مجموعات من 12 متدربة، وتدربن على إعداد أطباق بينها البيتزا والأوزي والتبولة والكبة النية واليالنجي، إضافة إلى الحلويات، ومنها البان كيك بالفواكه.
توضح نور أن التدريب لم يقتصر على الوصفات، بل شمل استخدام أدوات مساعدة حسية وتفاعلية، مع مراعاة السلامة أثناء العمل في المطبخ. تستند فلسفة نور التدريبية إلى مبدأ تلخصه بعبارة: “لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطاد”.
تختلف النتائج التي خرج بها المشاركون من تجربة “سوار النور”. حسناء تخطط لمشروع من المنزل، ورجاء تفكر في مشروع للطهي وتدريب الأطفال على لغة برايل، بينما يواصل علي تطوير نفسه في مهنة الدهان.
وفي الجانب الآخر، يحاول جلال استخدام خبرته المهنية لتدريب مكفوفين آخرين على صناعة القش والريتان، فيما تواصل منظمة “سوار” البحث عن طرق لربط التدريب بفرص العمل.
المشروع لا يلغي العقبات التي يواجهها المكفوفون في حلب، سواء في الوصول إلى الخدمات أو الحركة في الشوارع أو الحصول على فرص عمل. لكنه يقدم نموذجاً مختلفاً للتعامل معهم، يقوم على التدريب وإتاحة الفرصة بدلاً من الاكتفاء بتقديم المساعدة.
قد يكون اكتساب مهارة واحدة بداية لمسار أطول: “وظيفة، أو مشروع صغير، أو قدرة أكبر على الاعتماد على الذات، أو حتى نقل المهارة إلى شخص آخر”. وفي هذه المساحة تحديداً، يحاول مشروع “سوار النور” أن ينقل المكفوف من موقع المستفيد من التدريب إلى موقع القادر على استخدامه في العمل والمشاركة في المجتمع.






شام تايمز الإخباري رؤية لسورية أجمل