“مرايا الصقيع”.. قصصٌ تستنطق أثر القسوة في الروح الإنسانية

شام تايمز – متابعة

تقدم المجموعة القصصية “مرايا الصقيع” للقاص السوري “جاسم الحمود” تجربة سردية تنحاز إلى الإنسان في لحظات انكساره، وتقرأ التحولات النفسية التي تتركها الحياة في أعماق الفرد، عبر قصص تستبدل صخب الأحداث الكبرى بتأمل آثارها الممتدة في الذاكرة والوجدان، لتغدو نصوصها أقرب إلى مرايا تعكس هشاشة الإنسان وهو يواجه قسوة العالم، وفقاً لوكالة “سانا”.

يتجاوز عنوان المجموعة مرايا الصقيع الصادرة حديثاً عن دائرة الثقافة في الشارقة وظيفته الإيحائية ليغدو مفتاحاً لقراءة عالمها السردي بأكمله، فـ”المرايا” تعكس الوجوه فحسب، وتكشف الطبقات الخفية للنفس، بينما يتحول “الصقيع” إلى استعارة لبرودة العلاقات الإنسانية، والخذلان، والعزلة، والخوف، وما تتركه التجارب القاسية من أثر طويل في الروح.

ومن العنوان، يطرح الكاتب سؤالاً مركزياً يتردد بأشكال متعددة في معظم القصص: ماذا يفعل صقيع العالم بالإنسان حين يصبح الخوف جزءاً من تكوينه النفسي، وتغدو الذاكرة سجلاً دائماً للغياب والفقد؟

لا تنشغل قصص المجموعة بتسجيل الأحداث أو إعادة سرد الوقائع، وإنما تتجه إلى ما تتركه تلك الأحداث داخل الإنسان، فالهجرة، والعقوق، والخوف، والمرض، والوحدة، والخذلان، ليست موضوعات مستقلة، بل انعكاسات متعددة لمعاناة إنسانية واحدة، تتجسد في شخصيات تواجه آثار الحياة أكثر مما تواجه الحياة نفسها.

ويبتعد “الحمود” عن المباشرة أو استثمار الأحداث الكبرى، ليركز على نتائجها النفسية العميقة، حيث تصبح اللحظة العابرة بداية لاكتشاف تحولات داخلية تستمر زمناً طويلاً، وهو ما يمنح النصوص بعداً إنسانياً وتأملياً واضحاً.

تنحاز المجموعة إلى شخصيات مألوفة تستمد حضورها من الحياة اليومية، أم وجدة وطفل ولاجئ ومريض وموظف، وهي شخصيات لا تبحث عن البطولة بقدر ما تحاول التكيف مع واقعها ومواجهة هشاشتها الداخلية.

 وتبرز الشخصيات النسائية بوصفها حاملة لمعاني العطاء والصبر والاحتواء، فيما تحضر شخصيات الأطفال ببراءتها التي تكشف تناقضات عالم الكبار، لتتحول القصص إلى مرايا تعكس الإنسان في أكثر لحظاته صدقاً.

وتتوزع نصوص المجموعة على ثيمات متعددة، أبرزها الأسرة، والذاكرة، والاغتراب، والشيخوخة، والطفولة، والمرض، والفقد، والعلاقات الإنسانية، غير أن هذه الموضوعات تتلاقى جميعها عند سؤال واحد يتعلق بقدرة الإنسان على الحفاظ على إنسانيته في مواجهة القسوة.

كما يحضر الزمن بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الشخصيات، إذ يعيد ترتيب العلاقات، ويكشف ما كان مستتراً خلف اعتياد الحياة، لتصبح الذاكرة إحدى الأدوات الأساسية في بناء المعنى.

ويعتمد “الحمود” بناءً سردياً يقوم على التكثيف والاقتصاد، حيث تتقدم القصص عبر جمل قصيرة وإيقاع متوازن يخلو من الزخرفة اللفظية، فيما تتشكل الحبكة تدريجياً وصولاً إلى لحظة الكشف التي تنبع من تطور الشخصيات لا من المفاجآت الخارجية.

وتتميز اللغة بقدرتها على تحويل الأفكار المجردة إلى مشاهد نابضة بالحياة، مع توظيف حوار طبيعي يؤدي وظيفة درامية ونفسية، ويعزز صدقية الشخصيات.

لا يؤدي المكان في المجموعة دور الخلفية السردية فحسب، بل يتحول إلى فضاء نفسي يحتضن الذاكرة والانفعالات، فالبيت، والمشفى، والشارع، وغرفة الانتظار، ليست مجرد أمكنة، وإنما مساحات تتجسد فيها العلاقات الإنسانية، بينما ينتقل الزمن بين الحاضر والاسترجاع ليكشف الدوافع الخفية للشخصيات.

رؤية تؤكد حضور القصة الإنسانية

تكشف “مرايا الصقيع” عن تجربة سردية تراهن على الإنسان قبل الحدث، وعلى الدلالة قبل الإثارة، مستخرجةً المعاني الكبرى من التفاصيل اليومية، مؤكدةً أن أكثر الحكايات تأثيراً هي تلك التي تنبع من الحياة العادية وتلامس وجدان القارئ.

وبذلك تضيف المجموعة حضوراً جديداً إلى مشهد القصة العربية المعاصرة، من خلال رؤية تنحاز إلى البعد النفسي والاجتماعي، وتعيد الاعتبار للقصة بوصفها فناً قادراً على مساءلة الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة.

 “جاسم أحمد الحمود” مهندس معماري وقاص مواليد الرقة، يكتب القصة القصيرة والنصوص النثرية، إلى جانب دراسات في العمارة والهندسة المعمارية.

نشر أعماله في عدد من المجلات والصحف العربية، منها الشارقة الثقافية، والعربي الكويتية، والموقف الأدبي، والمعرفة، واليمامة السعودية، والأسبوع الأدبي، والرياض.

نال “الحمود” عدداً من الجوائز الأدبية أبرزها: المرتبة الأولى في مسابقة “قصص على الهواء” التي تنظمها مجلة العربي الكويتية عامي 2020 و2022، وجائزة البتاني للقصة القصيرة.

وتأتي “مرايا الصقيع” امتداداً لمشروعه السردي الذي يزاوج بين البساطة الفنية وعمق الرؤية الإنسانية.

شاهد أيضاً

رأس المال الاجتماعي ودوره في ترسيخ الاستقرار والتنمية في المجتمع السوري

شام تايمز – متابعة نظم المركز الثقافي العربي في العدوي بدمشق محاضرة بعنوان “رأس المال …