اتحاد الناشرين السوريين: استعادة الثقة بالكتاب المحلي مرهونة بتطوير المحتوى وجودة الإنتاج

شام تايمز – متابعة

تواجه صناعة النشر في سوريا تحديات متراكمة فرضتها سنوات من الظروف الاستثنائية، التي عاشتها البلاد زمن النظام البائد، ما انعكس على واقع الكتاب المحلي وعلاقته بالقارئ، وأدى إلى تراجع مستوى الثقة بالمحتوى المنتج داخلياً، وفقاً لوكالة “سانا”.

وفي ظل مرحلة تتجه فيها سوريا نحو إعادة بناء قطاعاتها الثقافية، تبرز أهمية البحث في سبل تطوير صناعة الكتاب، وتحسين جودة المحتوى، وتعزيز حضوره في السوقين المحلية والعربية.

وفي هذا السياق، يبرز دور اتحاد الناشرين السوريين بوصفه أحد الفاعلين الأساسيين في إعادة صياغة المشهد النشري، من خلال تحديث أدوات العمل، ودعم الكفاءات، وفتح آفاق جديدة أمام الكتاب السوري، بما يواكب التحولات الفكرية والتقنية المتسارعة.

الدكتور “عاطف نموس” أكد صناعة النشر في سوريا تمرّ بمرحلة معقدة، نتيجة تراكمات لسنوات من الظروف الاستثنائية والقيود التي فرضها النظام البائد وأثّرت بشكل مباشر على هذا القطاع الحيوي، هذا الواقع انعكس على علاقة القارئ بالكتاب المحلي، وأدى إلى تراجع مستوى الثقة بالمحتوى المنتج داخلياً، ونحن اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه أداة معرفة وتأثير، وليس مجرد منتج ثقافي عابر.

وأضاف: “الاتحاد يعدّ أحد الفاعلين الأساسيين في إعادة صياغة المشهد النشري في المرحلة الحالية، ونحن نعمل على تحديث آليات العمل داخل القطاع، وتعزيز حضور الكتاب السوري محلياً وعربياً، من خلال رؤى تجمع بين تطوير أدوات النشر الحديثة ودعم الإبداع، والهدف هو فتح آفاق جديدة أمام صناعة الكتاب تقوم على رفع جودة المحتوى وتطوير الكوادر العاملة في هذا المجال”.

وتابع “نموس”: “القارئ السوري تعرّض خلال سنوات طويلة لواقع غير مثالي، جراء السياسات المجحفة من سلطات النظام البائد، سواء من حيث التشريعات أو محدودية خيارات النشر، هذا الأمر انعكس على تنوع العناوين وجودتها، وأضعف القدرة على مواكبة التحولات الفكرية والاجتماعية، استعادة الثقة لا يمكن أن تتم بإجراءات شكلية، بل عبر مشروع متكامل يبدأ من المحتوى نفسه”.

وأوضح أن المشروع ينطلق من إعادة النظر في مضمون الكتاب، بحيث يصبح قادراً على ملامسة قضايا المجتمع الحقيقية، مضيفاً: “نحن بحاجة إلى كتب تعبّر عن التحولات الثقافية والاجتماعية والفكرية، لا أن تبقى أسيرة القوالب التقليدية، القارئ اليوم يبحث عن نصوص تمنحه فهماً أعمق لما يدور حوله، وهذا يفرض مسؤولية كبيرة على الكاتب والناشر معاً”.

وبيّن أن الجودة تبدأ من الفكرة وتنتهي عند الإخراج النهائي، يجب اختيار نصوص جيدة، ثم المرور بعمليات تحرير وتدقيق لغوي وإخراج فني احترافي، مضيفاً: “للأسف، ضعف التدقيق اللغوي ما زال مشكلة واضحة في بعض الإصدارات، وهو ما يؤثر على مصداقية الكتاب، لذلك نحن ندعو إلى الاستثمار في الكوادر المتخصصة وتنظيم دورات تدريبية لرفع مستوى العمل”.

وأشار إلى أن التحول الرقمي أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، النشر الإلكتروني اليوم يشكل منصة مهمة للوصول إلى القراء، وخاصة الشباب، بعض الإصدارات تحقق انتشاراً واسعاً عبر المنصات الرقمية، وأحياناً تتفوق على النسخ الورقية، والمطلوب هو التعامل مع هذا التحول بواقعية، وتطوير أدوات النشر بدلاً من اعتباره تهديداً للكتاب التقليدي.

ولفت إلى أن بعض دور النشر تتجه نحو العناوين الاستهلاكية لتحقيق انتشار سريع، وهذا مفهوم من زاوية السوق، لكن الإشكال يحدث عندما يكون ذلك على حساب جودة المحتوى، التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن بين القيمة الثقافية ومتطلبات السوق، الكتاب الجاد قد لا يحقق مبيعات كبيرة فوراً، لكنه يرسخ حضوره على المدى الطويل.

ونوّه بأن دور المؤسسات الرسمية أساسي، وخصوصاً وزارات الثقافة، والتربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، ودعم الكتب النوعية عبر تبنيها أو إدراجها في المناهج والأنشطة الثقافية يمكن أن يوسع دائرة انتشارها، هذا الدعم لا يجب أن يكون شكلياً، بل جزء من سياسة ثقافية واضحة تهدف إلى تعزيز الوعي العام.

وأضاف: “الترجمة هي بوابة الانفتاح على المعرفة العالمية، لكنها تحتاج إلى تطوير حقيقي، ليس فقط نقل الكلمات بل فهم النصوص وإعادة صياغتها بشكل يحافظ على روحها، نحن بحاجة إلى مترجمين متخصصين في مجالات محددة كالعلوم والفلسفة والأدب، لأن ذلك يضمن دقة أكبر ويعزز جودة المحتوى العربي”.

وأكمل: “نعم، القطاع الخاص يمكن أن يكون شريكاً مهماً في دعم صناعة النشر، من خلال الاستثمار في مشاريع ثقافية ذات جودة عالية، لكن المهم أن تقوم هذه الشراكات على رؤية ثقافية واضحة، لا أن تكون مجرد بحث عن الربح، وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع يجعل هذا التعاون ضرورة وليس خياراً”.

وتابع: “تزايد عدد دور النشر ظاهرة صحية بشكل عام، لأنها تخلق حالة من الحيوية والتنوع، والمطلوب هو أن تكون العلاقة بينها قائمة على التكامل وتبادل الخبرات، لا على المنافسة السلبية، كما أن تطوير البيئة التشريعية وحماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة أمور أساسية لضبط هذا القطاع”.

وختم بالقول: “نحن أمام مرحلة تشهد انفتاحاً نسبياً في مجال النشر، وهذا أمر إيجابي، لكن الحرية يجب أن تكون مسؤولة ومنضبطة بالقيم العامة وبما يعزز وحدة المجتمع، الهدف ليس فقط إنتاج كتب، بل الإسهام في بناء وعي ثقافي مسؤول يواكب تطورات المجتمع ويحافظ على تماسكه”.

شاهد أيضاً

الرئيسان الإماراتي والروسي يبحثان التطورات العسكرية في المنطقة وتداعياتها

بحث رئيس الإمارات العربية المتحدة “محمد بن زايد آل نهيان” مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، …