شام تايمز – متابعة
شكلت المحاضرة التي أقامتها جمعية التنمية البيئية، أمس الأحد، تحت عنوان “دمشق بين الماضي والحاضر”، سرداً حياً تاريخياً لأقدم مدينة مأهولة في التاريخ، بحضارتها وعماراتها وفنونها وعلومها التي أنارت بقاع العالم، وفقاً لوكالة “سانا”.
المحاضرة التي احتضنها المركز الثقافي في العدوي استعادت صورة المدينة بين زمنين: دمشق التي كانت، ودمشق التي تتبدّل ملامحها اليوم، مع طرح لمشاكلها ولقضاياها وهمومها التي غيرت وجهها الناصع، وخاصةً مع ممارسات النظام البائد بحقها لعقود من الزمن.
في المحور البيئي، قدّم رئيس الجمعية “غسان كركوتلي” قراءةً موثّقة لتحولات وجماليات الفضاء الأخضر في دمشق التي كانت تتميز عبر التاريخ بهوائها ومائها وخضرتها ونضارتها، متوقفاً عند الحدائق العامة بوصفها أحد أهم عناصر التوازن في المدينة، حيث استعاد التخطيط العمراني الذي راعى توزيع الحدائق ضمن الأحياء، للمعماري الفرنسي “إيكو شار”، لتكون متنفساً طبيعياً ومجالاً اجتماعياً مفتوحاً.
واختل هذا التوازن تدريجياً جراء الإهمال والفساد والسرقات والعبث والتخريب في حقبة النظام البائد، حتى باتت دمشق اليوم من أقل العواصم بالمساحات الخضراء، ولا يتجاوز نصيب الفرد جزءاً ضئيلاً مقارنة بالمعايير العالمية.
وحسب “كركوتلي”، فإن الحدائق العامة الكبيرة في دمشق لا تتعدى 32 حديقة، وكلها عانت تحولاً جذرياً من منطقة جميلة وارفة الظلال إلى منطقة مهملة متسخة، منها حديقة السبكي التي كانت أنموذجاً رائعاً يُحتذى به بالجمال، مستعرضاً الانتهاكات التي تعرضت لها أيضاً حدائق التجارة والميدان والزاهرة والطلائع والقصور وغيرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن الحفاظ على الحدائق مسؤولية جماعية تتطلب تخطيطاً واستدامة.
في المحور الأدبي، أخذت التربوية وعضو الجمعية “صباح ملص” الحضور في رحلة وجدانية عبر ذاكرة دمشق، مستحضرةً صورتها في الأدب والشعر العربي المعاصرين عبر الأدباء “علي الطنطاوي” و”نزار قباني” و”أحمد شوقي”، واصفةً دمشق بأنها مدينة تتجاوز الجغرافيا، وتختزن الجمال والروح والتاريخ في آنٍ معاً.
ولفتت “ملص” إلى أن هذا الجمال تعرّض لتشوّهات عميقة، بدءاً من تراجع الغوطة واقتلاع أشجارها، وصولاً إلى تبدّل ملامح الأحياء والأسواق، معتبرةً أن ما فقدته دمشق من خضرة فقدت معه جزءاً من روحها، وأن استعادتها تبدأ من الوعي، ومن إعادة غرس حب المكان في نفوس الأجيال، عبر التربية والثقافة والمبادرات المجتمعية.
أما في محور العمارة الدمشقية، فقدّم المهندس المدني وعضو الجمعية “حسام اللحام”، قراءة في تميز هذه العمارة، مشيراً إلى أن البيت الدمشقي منظومة بيئية متكاملة، فتصميمه القائم على الفناء الداخلي والبحرة وتوزيع الغرف بما فيها السرملك والحرملك والمونة يحقق توازناً حرارياً وتهوية طبيعية، تجعله من أكثر الأبنية في العالم صداقةً للبيئة.
كما لفت “اللحام” إلى انتقال هذه النموذج إلى الأندلس بعد أن فتحها المسلمون، لتغدو إسبانيا اليوم وجهة سياحية معمارية فريدة، ثم انتقلت تلك العمارة إلى أمريكا اللاتينية بعد احتلال إسبانيا لها، وما زالت المنازل الدمشقية في المغرب دليلاً آخر على تلك الحضارة، التي أصبحت جزءاً من التراث المعماري العالمي.
كما استعرض “اللحام” إسهامات معماريين دمشقيين في الحضارات القديمة، ومنهم المهندس المعماري الدمشقي “ابولودور” الذي بنى معبد جوبيتير، ثم نظراً لعلاقته مع الإمبراطور الروماني “تراجان” شيد أهم الأوابد الرومانية، ما يؤكد أن المدينة كانت دوماً مركز إشعاع حضاري وعلمي.
كما أكد الباحث في التراث “أمين عسكري” أن المحاضرة غفلت عن تقديم الحلول والعلاج لتعود دمشق لسابق عهدها، وذلك عبر تقديم اقتراحات وتوصيفات ومخططات للمدينة، وقبل كل شيء التركيز على إعادة بناء الإنسان السوري ليعيد تلك الحضارة.
“بلال المصري” من مؤسسة دروبنا أكد أهمية إدراج ترشيد المياه وتعليم الأطفال الاهتمام بثقافة الترشيد والنظافة في المدينة، والحض على زراعة الأشجار لبناء سوريا الجديدة.
يذكر أن جمعية التنمية البيئية تأسست سنة 2021، وتشارك بصورة مستمرة في الأنشطة والفعاليات التي تخص البيئة والعناية بالطبيعة ورفع الوعي المجتمعي في قضاياها.
شام تايمز الإخباري رؤية لسورية أجمل