«بسطات» في كل زاوية وعلى كل رصيف وعند كل منعطف وكلّها «مطروشة» مثل بقع دهان عشوائية تلطّخ وجهَ المكان.
كان يمكن أن نتحدّث عن «البسطات» من منطق البهجة والفرح بالألوان الزاهية التي تشكّلها البضائع وعلب البسكويت والراحة وصحون البلاستيك و«شمسيات» العشّاق و«بيجامات» التنحيف وأقلام الحمرة «أم الميتين ليرة» وجرابات الشعور بالسعادة وإلى جوار كل تلك اللوحة السوريالية هناك مكانان عريقان أحدهما جامعة دمشق والآخر وكالة الأنباء الرسمية… أقول كان يمكن الحديث عن هذا العالَم كأنه فيلم سينمائي غنيّ بالمنمنمات والتفاصيل المدهشة لكننا كلما وجدنا أنفسنا مضطرين للنزول إلى وسط الشارع حيث «عجقة» السيارات هي الأخرى مثل الطوفان لنصبح عالقين في برزخٍ عجائبيّ من الوحل و«الزمامير» والوجوه العابسة.
ونضطّر للهروب إلى أي مكان آخر لنأخذ نفساً من أوكسجين الارتياح وهدوء البال إلا أن «البسطات» -والحمد لله- تنبت أمامنا مثل الفطر و«القرصعنّة» و«الهندوبة».
وقبل أن يشتمنا أحد الغيورين على مصلحة البؤساء الذين يعملون من عرق جبينهم بدلاً من الشحادة… نقول إن الفكرة هي في البحث عن إمكانية إيجاد بديل محترم ولائق للجميع وأوّلهم أولئك المساكين, كأنْ يصبح هناك سوق دائم للب سطات على غرار «سوق الأكل» الذي تربّع على عرش مدينة المعارض القديمة بكل بساطة.
لكن لم يتبقّ لي إلا أن أفعل ما يفعله الجميع أي أن أفترش زاويةً ما وأخيّم هناك مع كأس متّتي والقليل من الميرميّة لتهدئة الأعصاب وسأعلّق لافتة فوق رأسي مكتوباً عليها: «بسطة العشّاق» أبيع فيها قصائد غزل لمعذّبي القلوب من الشباب والصبايا… أمّا العنوان فراسلوني على الخاص لو سمحتم!

جواد ديوب